مؤسسة آل البيت ( ع )

18

مجلة تراثنا

وأخرج ابن جرير ، عن عيسى بن حارثة الأنصاري قال : كنا جلوسا في الديوان ، فقال لنا نصراني : يا أهل الإسلام : لقد أنزلت عليكم آية لو أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم ، وتلك الساعة عيدا ما بقي اثنان ، وهي قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) . كما روى ابن جرير ، عن ابن جريح ، عن السدي أنه لم ينزل بعد هذه الآية حرام ولا حلال ، ورجع رسول الله ( ص ) فمات ( 1 ) . بماذا تحقق الكمال ؟ لا شك أن الشريعة الإسلامية من جانب الأحكام والعقائد اكتملت بأمرين أحدهما : كتاب الله سبحانه ، والآخر سنة نبيه الكريم . أما الأول فقد عرف سبحانه مكانته ، وسعة معارفه بقوله : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) ( النحل - 89 ) . فلا شك إن المراد من لفظة ( كل شئ ) ، هو كل شئ أنيط بيانه إلى سفرائه وأنبيائه سبحانه من العلوم والمعارف ، والمناهج والتعاليم التي لا يصل الفكر الإنساني إلى الصحيح منها ، بلغ ما بلغ من الكمال . فهذه الأمور تكفل ( الكتاب الكريم ) ببيانها وذكر خصوصياتها ، وأما العلوم التي يصل إليها البشر بفكره ، كالفنون المعمارية ، والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزياوية والكيماوية ، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب ، وليس بيانها من مهامه ووظائفه . نعم ربما يحتمل إن يكون للآية معنى أوسع ، حتى يكون القرآن الكريم قابلا لتبيان تلك المعارف والعلوم ، غير أن هذا الاحتمال - على فرض صحته - لا يصحح أن يكون ( القرآن الكريم ) مصدرا لهذه المعارف ، حتى يرجع إليه كافة العلماء والاختصاصيون في هذه العلوم ، وإنما يتيسر استخراج هذه العلوم والمعارف لمن له مقدرة علمية إلهية غيبية ، حتى يتسنى له استخراج هذه الحقائق والمعارف من بطون الآيات وإشاراتها ، وهو ينحصر في جماعة قليلة .

--> ( 1 ) الدر المنثور للعلامة جلال الدين السيوطي ( المتوفى عام 911 هج ) ج 2 ص 258 .